خاص المركز الفلسطيني للإعلام
في القاهرة، تراجع الكلمات بدقة، وتناقَش البنود جملةً جملة، بينما يحاول الوسطاء انتزاع صيغة تبقي المسار السياسي قائمًا ولو بالحد الأدنى. لكن في غزة، كان ثمة مسار آخر يُدار بالتوازي، مسار تصنعه طائرات الاحتلال بالاغتيالات والدم.
ضربة محمّلة برسائل
في يومٍ دامٍ شهد ارتقاء 9 شهداء، وفي وسط مفاوضات غير مباشرة حثيثة بين حركة حماس وإسرائيل، تعرض عزام خليل الحية، نجل رئيس وفد حماس المفاوض، مساء الأربعاء (6 مايو) لمحاولة اغتيال عبر هجوم بطائرة مسيّرة إسرائيلية، بينما كان في منطقة موقف جباليا بحي الدرج شرق مدينة غزة، وذلك في اللحظة التي كان فيها والده منهمكًا بمتابعة تفاصيل النقاشات التفاوضية.
شهيد وإصابة نجل خليل الحية بجروح خطيرة بقصف إسرائيلي لحي الدرج بغزة
وكان الحية يجري في القاهرة لقاءات واتصالات مع الوسطاء والممثل الأعلى لغزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، حين جاءته أنباء استهداف نجله.
“ما جرى ليس تصعيدًا عسكريًا منفصلًا عن المفاوضات، بل محاولة إسرائيلية مباشرة للتفاوض بالدم، ضغط بالنار في غزة يوازي ضغطًا بالصياغات في القاهرة”.
وسام عفيفة، محلل سياسي
وبحسب ما رصده الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، في مقال له، فإنه لا يُنظر إلى ما جرى باعتباره حادثة منفردة، بل باعتباره امتدادًا لمنهج إسرائيلي واضح: فرض إيقاع تفاوضي جديد تحت وقع الاغتيالات، في محاولة لاستنزاف إرادة الوفد المفاوض وكسر صلابته.
حماس: استهداف نجل خليل الحية استمرار لجرائم الاحتلال في غزة
ما جرى في جلسة التفاوض الأخيرة
الكاتب السياسي محمد العيلة كشف تفاصيل ما جرى في الجلسة التفاوضية التي سبقت عملية الاستهداف مباشرة، مشيرًا إلى أن الضربة لم تكن مفاجئة لمن يعرف طبيعة ما دار على الطاولة.
وفق الحيلة؛ فإن “طرح العدو في الجلسة الأخيرة ما شكّل انقلابًا واضحًا على ما تم التوقيع عليه وعلى التفاهمات التي جرت في جلسات القاهرة وإسطنبول، إذ طالب بالنزع الفوري لكل أنواع السلاح، حتى المسدسات الشخصية، دون أن ينجح الوسطاء في الحصول على أي التزام أو ضمان مقابل ذلك.”
عدوان إسرائيل على غزة .. الأهداف والمآلات
وأضاف العيلة أن التصعيد جاء في سياق واضح: فقد وجّهت إسرائيل تهديدًا شخصيًا وصريحًا لرئيس الوفد الدكتور خليل الحية بدفع “ثمن غالٍ” خلال تلك الجلسة، عقب رفضه مع الوفد القبول بالإملاءات الإسرائيلية التي تنقلب على ما سبق التفاهم عليه.
“كان موقف الدكتور خليل الحية صلبًا رغم إدراكه لتبعاته؛ أكد أنه لا يخشى التهديد، وأنه كغيره من أبناء شعبه، وشدد على أن المطلوب أولًا هو وقف القتل في غزة فورًا وتنفيذ المرحلة الأولى كما تم الاتفاق عليها.”
محمد العيلة، كاتب سياسي
سابقة الدوحة: حين استُهدف المفاوضون أنفسهم
هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة واحدة من أخطر اللحظات في مسار التفاوض؛ فقد فقد الحية ثلاثة من أبنائه في حوادث منفصلة، كان آخرهم همام – توأم عزام المستهدف الأربعاء – الذي استشهد في ضربة استهدفت والده مع عدد من قيادات حماس خلال وجودهم في الدوحة في سبتمبر 2025، بينما كانت الحركة تدرس مقترحًا أمريكيًا جديدًا يتعلق بوقف إطلاق النار.
ويرى عفيفة أن تلك الضربة حملت رسالة إسرائيلية لا تقبل التأويل: مسار التفاوض نفسه يمكن استهدافه بالنار، وليس فقط بالضغوط السياسية. واليوم يبدو المشهد وكأنه يتكرر بصورة أكثر قسوة.
نزع السلاح: العقدة التي تختزل كل شيء
تجري هذه الأحداث على خلفية مسار تفاوضي بالغ التعقيد، فقد أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن المفاوضات بين حماس ومجلس السلام في غزة وصلت إلى طريق مسدود مع تعنت إسرائيل ورفضها تنفيذ ما عليها في المرحلة الأولى قبل الانتقال للمرحلة الثانية.
وتؤكد حماس ضرورة التنفيذ الكامل من الاحتلال للمرحلة الأولى من الاتفاق، التي تشمل انسحاب إسرائيل من قطاع غزة قبل مناقشة المرحلة الثانية التي تتضمن أفكار متعلقة بالسلاح. في المقابل، أبلغت إسرائيل ملادينوف أنها لن تنسحب إلى ما بعد “الخط الأصفر”، وهو خط يمنحها سيطرة على نحو 54 % من مساحة القطاع، وقد أضافت إليه مؤخرًا مساحة 11 % جديدة عبر ما يسمى الخط البرتقالي.
وتشهد القاهرة حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا، إذ قدّمت قطر وتركيا ومصر مقترحًا جديدًا يقوم على صيغة توفيقية: البدء الفوري بتنفيذ ما تبقى من التزامات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إطلاق مفاوضات المرحلة الثانية، على أن يكون تنفيذ أي تفاهمات مستقبلية مشروطًا بإتمام المرحلة الأولى بشكل كامل.
“في كل مرة كانت الفصائل تُظهر مرونة أو تقدم صياغات إيجابية، كانت تظهر اعتراضات إسرائيلية جديدة تعيد اختزال المشهد كله في بند واحد: نزع السلاح”.
وسام عفيفة، محلل سياسي
الوسطاء في هامش ضيق
المشكلة بالنسبة للفصائل الفلسطينية لم تعد مرتبطة بغياب الصيغ أو نقص المرونة السياسية، بل بغياب أي خطوات حقيقية على الأرض. فحماس تؤكد ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية كافة، وتفكيك النقاط العسكرية غرب الخط الأصفر، وإدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا، ومباشرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة عملها داخل القطاع.
وقد استشهد نحو 850 فلسطينيًا وأصيب نحو 3400 على الأقل منذ سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر الماضي، وفق وزارة الصحة في غزة، وهي أرقام تختصر وحده المسافة بين ما يُقال على طاولات التفاوض وما يجري على أرض القطاع.
ويرصد عفيفة معضلة الوسطاء بدقة: ثمة تفهّم متزايد للموقف الفلسطيني، يقابله عجز واضح عن ممارسة ضغط فعلي على الاحتلال، أو انتزاع التزام أمريكي قادر على تحويل التفاهمات النظرية إلى وقائع ميدانية.
مفاوضات تنزف ولا تنهار
رغم هذه الوتيرة الدامية، لا يبدو أن المسار التفاوضي قد انهار بالكامل. فقد أبقت حركة حماس على جزء من وفدها في القاهرة برئاسة الحية، استجابةً لطلب الوسطاء، في خطوة تعكس حرصًا على استمرار الحوار وتفادي إعطاء انطباع بفشل المفاوضات. وما زالت الفصائل تتعامل مع جهود الوسطاء باعتبارها الخيار الأكثر واقعية لمنع العودة إلى حرب واسعة.
“المفاوضات لم تفشل… لكنها تنزف. والوسطاء لم يغادروا الطاولة… لكنهم يتحركون داخل هامش ضيق. أما غزة، فما تزال تدفع الثمن ذاته في كل مرة: كلما اقتربت السياسة من الحل، اقتربت الطائرات أكثر من أهدافها، هكذار يلخص الكاتب وسام عفيفة المشهد.