د زهير الخويلدي: في ظل تقدم المفاوضات بين إيران وأمريكا استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

الكاتبabdulrahmanتاريخ النشر
د زهير الخويلدي: في ظل تقدم المفاوضات بين إيران وأمريكا استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

 

 

د زهير الخويلدي
مقدمة
يشهد الشرق الأوسط في عام 2026 تحولات دراماتيكية على المستويين الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع الديناميكيات النووية والأمنية مع الصراعات الوكالة. في هذا السياق، يبرز تناقض صارخ: تقدم ملحوظ في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي والعقوبات وممر هرمز، مقابل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، خاصة ضد حزب الله. هذا التناقض ليس مصادفة، بل يعكس حسابات استراتيجية معقدة تتعلق بتوازن القوى، والمصالح الأمريكية-الإسرائيلية، ودور إيران كلاعب إقليمي.
تُعد هذه الدراسة تحليلاً معمقاً للأبعاد الجيوسياسية والأمنية والإنسانية لهذه الظاهرة، مع التركيز على كيفية تأثير المفاوضات الأمريكية-الإيرانية على الجبهة اللبنانية، وما يعنيه ذلك لاستقرار المنطقة. فهل تحمل المفاوضات بين الأطراف المتصارعة نتائجا إيجابية ؟ ولماذا استهداف لبنان مازال متواصلا؟
السياق التاريخي والاستراتيجي للصراع
تعود جذور التوتر بين إسرائيل وحزب الله إلى عقود، لكنها تصاعدت بشكل حاد في مارس 2026، عقب بدء التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران. رد حزب الله بإطلاق صواريخ على إسرائيل كرد فعل على أحداث في إيران، مما دفع إسرائيل إلى عمليات واسعة النطاق شملت غارات جوية وتوغلات برية في جنوب لبنان. أسفرت هذه العمليات عن آلاف القتلى والجرحى والنازحين، مع تدمير بنى تحتية واسعة.
يُنظر إلى حزب الله كذراع إيراني متقدم، يوفر لطهران قدرة ردع على الحدود الشمالية لإسرائيل. في المقابل، ترى إسرائيل فيه تهديداً وجودياً يجب تحييده، خاصة قدراته الصاروخية والدقيقة. هذا الصراع ليس منفصلاً عن الديناميكيات الأوسع؛ فهو جزء من “محور المقاومة” الذي تقوده إيران.
تقدم المفاوضات الأمريكية-الإيرانية
شهدت العلاقات الأمريكية-الإيرانية في 2026 تطورات متسارعة. بعد تصعيد عسكري مباشر في فبراير/مارس، توسطت دول مثل عمان وباكستان في محادثات أدت إلى هدنة مؤقتة في أبريل. ركزت المفاوضات على عدة محاور رئيسية: إعادة فتح مضيق هرمز للملاحة، الحد من البرنامج النووي الإيراني، رفع بعض العقوبات، وإعادة الإعمار. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تقدم ملحوظ، مع إيقاف بعض العمليات العسكرية مثل “مشروع الحرية” لمرافقة السفن في هرمز، مشيراً إلى إمكانية اتفاق شامل.
رغم التحديات – مثل الخلاف حول النووي والمطالب الإيرانية بوقف الاعتداءات على لبنان – يبدو أن الجانبين يسعيان لتجنب حرب شاملة، خاصة مع تأثير الحرب على أسعار الطاقة العالمية. إيران، التي تعاني من ضغوط داخلية واقتصادية، ترى في المفاوضات فرصة لتخفيف العقوبات، بينما تسعى الولايات المتحدة لضمان عدم حصول طهران على سلاح نووي وضبط نفوذها الإقليمي.
استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان رغم التقدم الدبلوماسي
رغم التقدم في المسار الأمريكي-الإيراني، استمرت إسرائيل في عملياتها العسكرية ضد لبنان. في 8 أبريل 2026، أي بعد ساعات من إعلان هدنة في الصراع الأمريكي-الإيراني، شنت إسرائيل “عملية الظلام الأبدي”، وهي أكبر موجة غارات في الحرب، استهدفت أكثر من 100 هدف في دقائق معدودة، مما أسفر عن مئات القتلى. شملت الغارات مناطق مكتظة في بيروت وجنوب لبنان والبقاع. لقد استمرت الانتهاكات بعد ذلك، رغم هدن هشة في منتصف أبريل. أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لقرى عديدة، وشن غارات على بنى تحتية ومواقع لحزب الله، مدعياً استهداف قدرات عسكرية. أدى ذلك إلى أكثر من 2500 قتيل لبناني وملايين النازحين، مع تدمير جسور وطرق حيوية. يبرر الجانب الإسرائيلي هذه العمليات بضرورة إنشاء منطقة عازلة وتفكيك تهديد حزب الله، خاصة بعد إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة من الجانب اللبناني. هذا الاستمرار يثير تساؤلات جوهرية: هل إسرائيل تعمل باستقلالية عن الولايات المتحدة، أم أن واشنطن تمنحها هامشاً للمناورة لتعزيز موقفها التفاوضي مع إيران؟
التحليل الاستراتيجي: التناقض والحسابات
أولاً، الاستقلال النسبي لإسرائيل: رغم التنسيق الأمريكي-الإسرائيلي التاريخي، تحتفظ إسرائيل بقرارها السيادي في مسائل الأمن القومي. ترى تل أبيب أن أي اتفاق أمريكي-إيراني قد يعزز حزب الله إذا لم يُحسم التهديد اللبناني أولاً. لذا، تستغل إسرائيل الفترات الانتقالية في المفاوضات لتحقيق مكاسب ميدانية.
ثانياً، الدور الأمريكي المزدوج: الولايات المتحدة تريد اتفاقاً مع إيران لأسباب اقتصادية واستراتيجية (الطاقة، مواجهة الصين)، لكنها لا تريد خسارة حليفتها إسرائيل. قد يكون السماح باستمرار العمليات في لبنان رسالة ضغط على إيران: “نحن نتحدث معك، لكن نفوذك الإقليمي محدود”. إيران، من جهتها، تشترط وقف الاعتداءات على لبنان لتقدم في المفاوضات، مما يجعل الجبهة اللبنانية ورقة تفاوض.
ثالثاً، تأثير حزب الله: الحزب يعاني خسائر فادحة في الأسلحة والقيادات، لكنه يحافظ على قدرة ردع محدودة عبر الطائرات المسيرة والصواريخ. استمرار القتال يضعف إيران غير مباشرة، لكنه قد يعيق أي اتفاق شامل إذا أدى إلى انهيار الدولة اللبنانية.
رابعاً، الأبعاد الإقليمية والدولية: يؤثر التصعيد على سوريا (التي قد تستغل الفراغ)، واليمن، وأمن الملاحة. كما يفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان، الذي يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي وسياسي. الأمم المتحدة وخبراؤها أدانوا الغارات كانتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
التداعيات المستقبلية
من المرجح أن يؤدي التقدم في المفاوضات الأمريكية-الإيرانية إلى ضغط على إسرائيل لتهدئة الجبهة اللبنانية، لكن ذلك لن يكون فورياً. قد ينشأ اتفاق جزئي يشمل وقف إطلاق نار هش مقابل ضمانات أمنية إسرائيلية. ومع ذلك، يظل خطر التصعيد قائماً إذا فشلت المحادثات الكبرى. على المدى الطويل، يكشف هذا السيناريو عن هشاشة الاستقرار الإقليمي: الدبلوماسية الكبرى (أمريكا-إيران) لا تلغي الصراعات المحلية (إسرائيل-حزب الله)، بل قد تعززها إذا لم تُدمج في حل شامل. لبنان يدفع الثمن الأكبر، مع تهديد وجودي لسيادته واستقراره.
خاتمة
في ظل تقدم المفاوضات بين إيران وأمريكا، يستمر الاعتداء الإسرائيلي على لبنان كتعبير عن حسابات قوة وردع. هذا التناقض يعكس تعقيدات الشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح العظمى مع الصراعات الوكالة. لتحقيق سلام مستدام، يجب أن تشمل أي تسوية شاملة الجبهة اللبنانية، مع ضمانات أمنية متبادلة، ودعم دولي لإعادة إعمار لبنان، ومعالجة جذور التوتر النووي والإقليمي. بدون ذلك، سيظل المنطقة عرضة لدوامة عنف جديدة، مهما تقدمت المحادثات على طاولات الدبلوماسية. هذه الديناميكية تذكرنا بأن السلام الحقيقي يتطلب ليس فقط اتفاقات ثنائية، بل رؤية استراتيجية شاملة للأمن الجماعي في الشرق الأوسط. فمتى تتوقف الى الحرب الاسرائيلية عن استهداف أمن دول المنطقة وسيادة شعوبها؟
كاتب فلسفي

أخبار ذات صلة