صالح عوض
ايران والحزب والمقاومة هل يمكن ابراز مرجعيتنا من جديد؟.. هل بدأنا الطريق الصحيح؟
إن الخلل الأكبر الذي حل بالعقل السياسي لطلائع الأمة في مواجهة اعدائها يتمثل في عدم تبنيها موقفا إزاء عدوها على هدي من مرجعية مفاهيمية ثابتة لا تهتز بفعل خطابات الدعاية وألاعيب السياسة.. للأسف طلائع الأمة لم تتخذ من يعاديها عدوا إلا في بعض الوقت وفي بعض الجوانب، وان كان هذا التسطيح للمشاعر والوعي جائزا في المجتمعات البدائية التاريخية فمن العبث أن يكون ذلك لائقا عندما يكون موقف العدو قائما على مراكز أبحاث ودراسات ومخططات استراتيجية توجهها مطامح كونية، وافتقاده لأدنى مستوى من القيم الانسانية.. ثم لم نحدد على وجه الدقة عناصر عدونا الفكرية والبنيوية وعميق خصائصه والثابت منها فأصبحت تفاصيل الصراع والاشتباك المحتدم، غبارا وأدخنة تسوح في سجل النسيان، وبعد زمن وجيز تفقد قيمتها عند انقضاء الجولة من المعركة الظاهرة وتصبح تضحياتنا العزيزة بلا أي نتيجة.. وبالتالي نصبح في مغبة التعرض دوما لمذبحة جديدة او على الأصح لخديعة جديدة.. وتتكرر التجربة والمذبحة.. هكذا كنا دوما لاسيما في مواجهة الاستعمار الحديث منذ قرنين.
المرجعية المعرفية والمفاهيمية المغيبة:
ان حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة وجنوب لبنان وان العدوان الشرس على الجمهورية الإسلامية وما يرافق ذلك من شتى أنواع الحصار والتدمير الممنهج للحياة وكل ما هو فوق الأرض انما هو الدليل الواضح ليقودنا الى ترتيب قاعدتنا النفسية والفكرية والادراكية..
مزودون بهذا الدليل نتجه للبحث عن مرجعيتنا المفاهيمية التي غيبت لصالح الفوضى والعبث وباختصار شديد ومن خلال قراءة أولية لايات القران الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم التي تحدد المفاهيم في دائرة الصراع نكتشف من ايات القتال والمواجهة مع العدو مجموعة ضوابط تمثل الواقي الحقيقي للموقف من أي اختراق واهتزاز..
أول هذه المرجعية وكلمتها الافتتاحية أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا.. منذ البداية ودوما لابد من بذل الجهد النفسي والعقلي والمادي لمعاداة الشيطان والتصدي له، وأنه من الممنوع التخلي عن السلاح فيميلوا عليكم ميلة واحدة، أو الركون للعدو أو الخضوع لمنطق الظلمة وروايتهم، وممنوع بتاتا ان يجد العدو في قلوبكم أي مودة، ولتكن عزيمتكم حاضرة ونباهتكم قائمة لكي لا تؤخذوا على غرة، وضرورة أن يجدوا فيكم غلظة وأن تكونوا أشداء على العدو هذا فضلا عن ان لا توادونهم.. وضرورة أن تنتبهوا أنهم لا ينزلوا لمعاهدة معكم الا عندما يعجزوا مؤقتا عن اكمال المعركة وانهم لا يلتزموا بما وقعوا الا اذا كانت يدكم فوق أيديهم.. وهم سيخونون كل اتفاقية معكم ويجعلونها فرصة لكي يراكموا قوة يباغثوكم بها على غفلة.
لقد كانت ايات القران الخاصة بطبيعة العدو وسلوكه العدواني وطبيعته النفسية ومفاهيمه وقيمه التي تحركه في غاية الدقة والتوسع لتشكل حقيقية منظومة متكاملة في هذا الباب لا تجد لها مثيلا في كل محاولات التفسير والتأويل والنظريات الأمنية.
ان ذلك الجهد ضروري لترتيب المفاهيم الخاصة بمواجهة العدو والسلوك الواجب بناء على ذلك.. وهذه المهمة الكبيرة تحسم نصف المعركة الحساس والخطير، فلئن كان النصف الأول هو معرفة الذات والحق والانحياز له وتبنيه للدفاع عنه فإن معرفة العدو واتخاذ الموقف العميق والثابت المنبعث من محددات مرجعيتنا المفاهيمية هو المكمل لبناء الخطوة الأولى على سلم نهضتنا.. وان هذا الوعي المنبعث من مرجعيتنا ينبغي ان يتحول الى مادة تعليمية تعبدية كما كل العبادات الكريمة التي يتقرب بها المسلم لربه..
ماذا يعني تغييب هذه المرجعية أو عدم الالتزام بها؟ انه باختصار يعني العبث والفوضى والتيه والذل والتشتت أمام هجوم منظم متواصل من العدو ضدنا وضد حقوقنا.
نماذج من غياب الالتزام بالمرجعية:
نضرب لذلك عدة أمثلة على رأسها اتفاقيات ملوك الطوائف مع الصليبيين في الاندلس والتي نصت صراحة على حقوق الاندلسيين في العبادة والحياة الكريمة .. وكيف انتهت الى محاكم تفتيش تمعن في الاذلال والقهر والقتل وصفحات التاريخ مفرودة لمن شاء ان يقرأ.. الامر ليس أقل منه ما حصل في بلاد الشام في مواجهة الصليبيين وما واجه العراقيون في مواجهة التتار.. وليس أخرا ما مواجه اهل صبرا وشاتيلا من مجزرة مروعة بعد ان خرج المقاتلون الفلسطينيون بسلاحهم من المخيمات فكانت المجازر.. شرقا وغربا كلما اتخذت اتفاقية مع العدو انما هي لصالحه المؤقت بعد ان تاكد انه لن يحقق هدفه بمواصلة المعركة فيتخذ موقعا أكثر تركيزا ليبني على ذلك يراكم فتكون جولته القادمة لتحقيق انتصارات اكثر تأثيرا..
ما يجري الان في المعركة بين الجمهورية الإسلامية والمقاومة من جهة والإدارة الامريكية والكيان الصهيوني من جهة أخرى تبرز معالما كادت تغيب عن عقولنا في حمى العواصف الهوجاء التي يقذف بها قادة أمريكا ضد الأمة.. وهنا لا اضع المواجهات العسكرية مادة لما اود ابرازه انما هو الخطاب الإعلامي والسياسي الذي تنهجه الجمهورية الإسلامية والذي منح الموقف الإيراني قوة ومصداقية ومبدأية تتسم بالكرامة والعزة في مواجهة قوة غاشمة مرعبة إرهابية تعتقل الرؤساء وتقلب الأنظمة وتكسّر دولا وتفسخ مجتمعات وتحتل بلدان بعيدة عنها وتسطو على الثروات بلا رقيب او حسيب.
في القضية الفلسطينية نكتشف حجم الفراغ في دائرة الوعي بالعدو بعد ان أصبح التطبيع ضرورة للعمل السياسي فكان هذا السعي من قبل الساسة الفلسطينيين والعرب نحو توقيع اتفاقيات للسلام محض وهم وجري خلف السراب البعيد.. ففي القضية الفلسطينية يصبح ضعف الوعي الاستراتيجي الذي تمليه المرجعية المفاهيمية وعدم الالتزام بها امر مخيف،
لقد انزاحت فئة كبيرة من طليعة الشعب السياسية الى الاستئناس لطبيعة العدو وروايته ومنهجه…
ان هناك شواهدا عديدة كانت ولاتزال دالة على ضعف الموقف الفلسطيني الذي توفرت له قدرات فائقة لكي يضع حضورا ليستفيد منها في الاشتباك مع العدو بل لعل الموقف الفلسطيني تنازل عن كثير من أدوات قوته الامر الذي انتهى به الى حيث نعلم.
أي اتفاقية يتم توقيعها مع العدو ينبغي ان ندرك انه لا ينام ليله حتى يوجد خطة للإفلات منها وعدم السقوط في أي بند من بنودها.. انه يدرك ان أي اتفاقية يوقعها انما هي محاولة لتأجيل المواجهة على اعتبار ان التدافع القائم لا يحقق ما يصبو له فيتجه الى هدنة واتفاقية ثم يفسرها تفسيره الخاص ليراكم قوته ويوسعها حتى ان جاءت الساعة المطلوبة انقلب عليها بمبررات لن يعدم ايجادها فكان أشد فتكا واكثر قوة.. وهكذا يظهر لنا أن الاتفاقية مع العدو انما هي عمل عسكري مكتمل الأركان.. في حين تكون الاتفاقية من جهتنا انما هي باب للدعة والاستكانة والقاء السلاح بل تسليمه.. ويكفي الإشارة الى اتفاقية رودس بين العرب والعدو الصهيوني.. كما هي اتفاقية أوسلو..
الصراط المستقيم:
على أرضية مرجعية مفاهيمنا وقيمنا الخاصة بالحرب نتحرر من المشاعر الغبية والتخيلات الواهية حول إمكانية ايجاد سلام مع العدو قبل ان يتم القضاء على قوته وتكسر انيابه هكذا نكون نسير بثبات وانتباه في طريق المواجهة المستمرة حتى استرداد الحق و نلتزم بكل عناصر قوتنا ونراكم عليها في حال وجود اتفاقيات..
ان الأداء السياسي والعملياتي الإيراني اليوم كما هو الموقف الفلسطيني واللبناني في موضوع السلاح تماما انما يمكن اعتباره تحسسا لبدايات النهضة والالتزام بالمرجعية المفاهيمية التي تحمي المنجز والدم من الضياع بل تجعل كل ما سبق انما هو تعبيد لطريق الانعتاق من الهزيمة.. وهذا هو النصر الأكيد الذي يمكن تحقيقه في هذه المرحلة وهو بالتأكيد سوف يسلم الى نصر أعظم في مرحلة قادمة.
ان العبث في كيفية التعامل مع العدو خلال قرن من الزمن واكثر انتهي بنا الى ان تحول كثير منا الى خانعين يقبلون بالذلة مخدوعين بما يقول العدو ويكررون روايته بل يتجه البعض الى التخادم معه والتحالف.. ومن هنا بالضبط تأتي أهمية الموقف الإيراني والفلسطيني واللبناني.. وهكذا نكون صنعنا عتبة النهضة لأمة طال تهميشها وظلمها.. ان الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون