واصلت الأسواق العالمية موجة الصعود القوية خلال تعاملات الخميس، مدفوعة بتزايد التوقعات بقرب التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما عزز شهية المستثمرين للمخاطرة ودفع مؤشرات الأسهم في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة إلى تسجيل مكاسب واسعة، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط واستمرار الزخم القوي لأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا التحول السريع في اتجاهات الأسواق انتقال المستثمرين من تسعير سيناريو التصعيد الجيوسياسي إلى الرهان على تهدئة محتملة قد تنهي الحرب المستمرة منذ أكثر من شهرين، وتعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
نيكاي الياباني يسجل مستوى تاريخياً
قفز المؤشر الياباني “نيكاي” بنسبة 5.58%، في أكبر مكاسب يومية له منذ أكثر من عام، ليغلق عند مستوى قياسي غير مسبوق بلغ 62833.84 نقطة، بعدما تجاوز خلال الجلسة مستوى 63 ألف نقطة لأول مرة في تاريخه، مسجلاً 63091.14 نقطة، بحسب بيانات وكالة “رويترز”.
كما ارتفع مؤشر “توبكس” الأوسع نطاقاً بنسبة 3% ليصل إلى 3840.49 نقطة، في وقت استعادت فيه الأسواق اليابانية نشاطها عقب عطلة استمرت ثلاثة أيام.
وجاء هذا الأداء مدعوماً بتفاؤل المستثمرين حيال الأرباح القوية لشركات التكنولوجيا، إلى جانب تنامي المؤشرات بشأن اتفاق سلام محتمل في الشرق الأوسط.
تحركات الين والسندات اليابانية
شهدت السندات الحكومية اليابانية ارتفاعاً بالتزامن مع استقرار الين بعد موجة صعود قوية دفعت العملة اليابانية إلى أعلى مستوياتها في عشرة أسابيع، وسط تكهنات بتدخل السلطات لدعم العملة.
وسجل الين مستوى 156.33 مقابل الدولار، بعدما لامس مستوى 155 خلال تعاملات أمس، وهو ما عزز الحديث عن تدخل رسمي محتمل من جانب طوكيو.
مؤشرات التهدئة تدعم شهية المستثمرين
ازدادت حالة التفاؤل في الأسواق بعدما أعلنت إيران أنها تدرس مقترحاً أميركياً لإنهاء الحرب، فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن واشنطن أجرت “محادثات جيدة للغاية” مع طهران.
كما أشارت تقارير إلى اقتراب الطرفين من التوصل إلى مذكرة تفاهم من صفحة واحدة لإنهاء الحرب، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيداً، مثل البرنامج النووي الإيراني، إلى مراحل لاحقة من التفاوض.
صعود واسع في الأسواق الآسيوية
امتدت موجة المكاسب إلى بقية الأسواق الآسيوية، حيث ارتفع مؤشر MSCI لآسيا باستثناء اليابان بنسبة 1.4%، مستفيداً من الانخفاض الحاد في أسعار النفط عقب تقارير التهدئة.
وفي هونغ كونغ، صعد مؤشر “هانغ سنغ” بنسبة 1.3% إلى 26559.86 نقطة، بينما ارتفع مؤشر “إس آند بي/إيه إس إكس 200” الأسترالي بنسبة 0.9% ليصل إلى 8870.70 نقطة.
كما افتتحت الأسهم الهندية تعاملاتها على ارتفاع، إذ زاد مؤشر “نيفتي 50” بنسبة 0.28% إلى 24398.50 نقطة، فيما صعد مؤشر “سينسكس” بنسبة 0.49% إلى 78339.24 نقطة، بعد مكاسب قوية بلغت نحو 1.2% في جلسة الأربعاء.
وسجلت جميع القطاعات الرئيسية في السوق الهندية مكاسب، إلى جانب ارتفاع أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة بنسبة 0.5% لكل منهما.
النفط يتراجع والهند تستفيد
ساهم الهبوط الحاد في أسعار النفط في دعم معنويات المستثمرين، بعدما تراجع خام برنت بنسبة 7.83% في الجلسة السابقة ليغلق عند 101.27 دولار للبرميل، قبل أن يستقر قرب مستوى 102 دولار خلال التعاملات الآسيوية المبكرة الخميس.
ويُنظر إلى انخفاض أسعار الطاقة باعتباره عاملاً إيجابياً للهند، ثالث أكبر مستورد للنفط الخام عالمياً، نظراً لدوره في تقليص الضغوط التضخمية ودعم النمو الاقتصادي وربحية الشركات.
أوروبا تحافظ على مكاسبها
وفي أوروبا، استقرت الأسهم بعد موجة صعود قوية في الجلسة السابقة، مع استمرار تفاؤل المستثمرين بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام قريب بين الولايات المتحدة وإيران.
واستقر مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي عند 623.56 نقطة، بينما تباين أداء الأسواق الرئيسية، مع استقرار مؤشر “داكس” الألماني وتراجع مؤشر “فاينانشال تايمز 100” البريطاني بنسبة 0.2%.
وكان المؤشر الأوروبي قد ارتفع بنسبة 2% في جلسة الأربعاء، ليقترب من مستويات ما قبل الحرب بفارق لا يتجاوز 2%.
أسهم الشركات تحت المجهر
على صعيد الأسهم الفردية، تراجع سهم شركة “شل” النفطية بنسبة 1.6% رغم إعلان أرباح فصلية تجاوزت التوقعات، وذلك بعد خفض وتيرة برنامج إعادة شراء الأسهم. كما انخفض سهم “بي بي” بنسبة 1.4%.
في المقابل، ارتفع سهم شركة “هنكل” الألمانية المصنعة لمنتج “برسيل” بنسبة 4.5% عقب تحقيق توقعات المبيعات للربع الأول.
بينما هبط سهم “سيمنس هيلثنيرز” بنسبة 5.7% بعد خفض توقعاتها السنوية بسبب التغيرات الهيكلية في السوق الصينية واستمرار الضغوط التضخمية.
وول ستريت عند مستويات قياسية
في الولايات المتحدة، أغلقت مؤشرات “وول ستريت” عند مستويات قياسية جديدة، مدعومة بتراجع المخاوف الجيوسياسية والنتائج القوية لشركات الرقائق الإلكترونية المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي.
وصعد مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بمقدار 104.46 نقطة، أو 1.45%، ليغلق عند 7364.72 نقطة، بينما ارتفع مؤشر “ناسداك” بنسبة 2.01% إلى 25834.88 نقطة.
كما تقدم مؤشر “داو جونز الصناعي” بنحو 603.51 نقطة، أو 1.22%، ليصل إلى 49909.55 نقطة.
وقفز سهم شركة “أدفانسد مايكرو ديفايسز” إلى أعلى مستوى في تاريخه، بعدما توقعت الشركة إيرادات فصلية تفوق التقديرات بدعم الطلب القوي على الرقائق المستخدمة في مراكز البيانات، فيما ارتفع أيضاً سهم “إنتل”.
وقال توماس مارتن، مدير المحافظ في “غلوبالت إنفستمنتس”، إن الاقتصاد لا يُظهر أي مؤشرات خطيرة تقترب من الركود، مضيفاً أن استمرار هذا الوضع يجعل امتلاك الأسهم خياراً منطقياً للمستثمرين.
تعكس التحركات الأخيرة في الأسواق العالمية حالة تحول واضحة في مزاج المستثمرين، مع تراجع المخاوف المرتبطة بالحرب وعودة الرهانات على استقرار أسواق الطاقة والنمو العالمي، إلا أن استمرار هذا الزخم سيظل مرهوناً بمسار المفاوضات بين واشنطن وطهران خلال الأيام المقبلة.