د. جمال الهاشمي: جدلية الاستبداد في بنية النظم السلطوية.. كيف تدار مجتمعات الحداثة

الكاتبabdulrahmanتاريخ النشر
د. جمال الهاشمي: جدلية الاستبداد في بنية النظم السلطوية.. كيف تدار مجتمعات الحداثة

 

د. جمال الهاشمي

 تزاوج النظم السياسية بين الاستبداد الصلب ونظيره الناعم في مسار يبدو متباينا في الشكل لكنه يلتقي غالبا في الجوهر؛ فالأول يعرف نفسه بالقوة الغاضبة حيث تختزل الدولة برمتها في جهاز أمني وتدار السلطة بمنطق القوة فتغيب المسافة بين الحاكم وأدوات القسر وتختزل العلاقة بالهيمنة في تقسيم ثنائي مطلق ومتطرف من جهتين؛ جهة المالك المطلق والعبد المطبق.
 أما الثاني فيعيد إنتاج السلطة بوسائل أكثر مرونة إذ لا يلغي القسر وإنما يعيد تغليفه داخل مؤسسات وقوانين وخطابات تبدو في ظاهرها محايدة أو حتى ديمقراطية لكنها يطور نظريته في الاستبداد عبر تقسيم الشعب إلى مكونات يؤدب بعضها ببعض ويميل مع بعضها على البعض وتستمر اللعبة المزدوجة بدلا من المواجهة المكلفة.
ويقزم الاستبداد الصلب على الوضوح الفج فهو لا يحتاج إلى كثير من التبرير لأنه يعتمد على إخضاع المجال العام بالقوة المباشرة؛ في الإعلام صوت واحد والحزب الواحد والشرعية تستمد من القدرة على البقاء وليس من القبول الشعبي وتدار الدولة بقوانين الطوارئ الدائمة.
في الوقت الذي ينتقد فيه طوارئ الثلاثة أيام لزياد بن أبيه .
 وهذا هو نموذج السيادة المطلقة الذي تحدث عنه توماس هوبز ولكن بدون العقد الذي يمنح تلك السيادة مشروعيتها.
وفي المقابل لا يعمل الاستبداد الناعم على إلغاء التعدد وإنما على إدارته وتطويعه من خلاا يسمح قبوله بعدد الأصوات محددا سقفها بعناية و هنا لا يمنع التعبير وإنما يفرغه من أثره و الانتخابات تجرى لكن نتائجها محددة والمؤسسات قائمة ولكنها غير مستقلة.
 هذا النمط يجد تفسيره في تحليلات ميشيل فوكو حول السلطة كشبكة معقدة تتغلغل في التفاصيل اليومية وليست فقط أداة قمع مركزية.
والفارق الجوهري بين النمطين لا يكمن في حضور القمع أو غيابه وإنما في شكله ووظيفته.
 ففي الاستبداد الصلب يكون القمع أداة لإسكات المجتمع .
أما الناعم وسيلة لإعادة تشكيل الوعي.
 الأول يصنع الخوف والثاني يستخلق القبول وبناء عليه فإن مقاومة الأول غالبا ما تكون مباشرة وواضحة وأقل كلفة .
 بينما مواجهة الثاني تتطلب وعيا نقديا أعمق لأنه يستخفي وراء مظاهر الشرعية والإجراءات الشكلية والديمقراطية وهذا ما تعاني منه المجتمعات المعاصرة.
غير أن التحول من الاستبداد الصلب إلى الناعم لا يعني بالضرورة تقدما ديمقراطيا وإنما قد يكون تكيفا مع ضغوط داخلية وخارجية تفرض على النظم .
 فالنظام الذي يتخلى عن القمع الظاهر لا يفعل ذلك استجابة لقيم الحرية وإنما لأنه وجد في الأساليب الناعمة وسيلة أخرى لاستمرار نفوذه وقياسا عليه فهو أقل كلفة واكثر فعالية .
 وينصرك تحت استراتيجية إدارة الاستقرار حيث تستخدم أدوات الاقتصاد والإعلام وحتى الثقافة لإعادة إنتاج السلطة دون الحاجة إلى الإفراط في العنف.

فهل الاستبداد الناعم مرحلة انتقالية نحو انفتاح حقيقي أم أنه وسيلة معقدة تزوج بين استخدام القوة الخفية والقوة الناعمة غطاء لممارستها؟
 و الإجابة تتحدد بمدى قدرة المجتمع على تحويل الهامش المتاح إلى فعل سياسي مستقل وعلى اختبار حدود السلطة وليس الاكتفاء بالتحرك داخلها .
إن ما بين الصلابة والنعومة لا يغير جوهر السلطة إلا حين تتغير قواعد مساءلتها.
فإذا انتقلنا من المستوى النظري إلى الواقع سنجد أن التفريق بين الاستبداد الصلب والناعم يظهر بوضوح في تجارب دول مختلفة لكن من المهم فهم أن هذه النماذج ليست نقية تماما بل غالبا ما تختلط داخل النظام الواحد.
وفي نماذج الاستبداد الصلب نجد حالات مثل كوريا الشمالية حيث تهيمن الدولة على كل تفاصيل الحياة العامة والخاصة تقريبا.
فالإعلام مركزي بالكامل ولا توجد معارضة سياسية فعلية والسلطة تمارس بشكل مباشر عبر أجهزة أمنية صارمة وكذلك يمكن الإشارة إلى سوريا خاصة خلال فترات الصراع حيث ظهر القمع المباشر كأداة رئيسية لضبط المجال العام ومنع أي تحد سياسي.
وفي المقابل يظهر الاستبداد الناعم في نماذج أكثر تعقيدا مثل روسيا حيث توجد انتخابات وأحزاب وصحافة نسبيا لكن المجال السياسي مضبوط بإحكام عبر القوانين والإعلام والنفوذ الاقتصادي و كذلك تقدم الصين نموذجا مختلفا إذ تعتمد على مزيج من السيطرة السياسية الصارمة والإدارة الاقتصادية الفعالة مع استخدام أدوات تكنولوجية وإعلامية لتوجيه الرأي العام بدلا من الاعتماد على القمع الظاهر فقط.
وهناك نماذج أخرى في بعض دول الشرق الأوسط حيث يتم السماح بهوامش محدودة من التعبير والإعلام لكن ضمن خطوط حمراء واضحة لا يمكن تجاوزها فتبدو الحياة السياسية نشطة شكليا لكنها محكومة بسقف محدد.
ما يجمع هذه الأمثلة أن السلطة لا تتخلى عن التحكم بل تغير أدواتها وحينما يكون القمع المباشر مكلفا أو غير ممكن يتم استبداله بأدوات أكثر نعومة مثل التحكم في الاقتصاد أو الإعلام أو القوانين الانتخابية وهذا ما يجعل التمييز بين النمطين صعبا لأن الظروف هي التي تغير الشكل .
أما إذا تساوت الظروف فقد يكون هناك تغير داخلي حقيقي نحو تأسيس الدولة العادلة.
أما العالم الغربي فلا وجود للاستبداد بصيغته الصلبة كما في حالات أخرى وإنما يأخذ أشكالا أكثر نعومة وتعقيدا لكنها تعمل بذكاء داخل الأطر القانونية والمؤسسية.
وفي دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا لا يمكن الحديث عن استبداد صلب بالمعنى التقليدي لأن هناك تداول سلطة وانتخابات حقيقية وفصل نسبي بين المؤسسات لكن في المقابل يطرح بعض المفكرين فكرة الاستبداد الناعم حيث لا يتم قمع الأفراد بالقوة المباشرة وإنما عبر منظومات أكثر تعقيدا مثل الإعلام والاقتصاد وصناعة الرأي العام.
هذا الطرح يجد جذوره عند ألكسيس دو توكفيل الذي تحدث مبكرا عن شكل من السيطرة لا يكسر إرادة الإنسان وإنما يوجهها بهدوء بحيث تصبح الأغلبية أو الثقافة السائدة أداة ضغط غير مرئية تجعل من الفرد يميل إلى الامتثال دون شعور بالإكراه.
وفي الواقع المعاصر يمكن ملاحظة هذا النمط في تأثير الشركات الكبرى ومنصات التواصل التي تعيد تشكيل الوعي العام وتحدد ما يظهر وما يختفي من الخطاب وكذلك دور المال السياسي في توجيه الحملات الانتخابية مما يجعل المنافسة قائمة شكليا لكنها غير متكافئة تماما.
ويمكن ملاحظة هذا التناغم من خلال توسع أدوات المراقبة الرقمية تحت مبررات الأمن الفكري والثقافي والمجتمعي حيث يتم جمع البيانات وتحليلها بشكل واسع مما يخلق نوعا من الانضباط الذاتي لدى الأفراد دون تدخل مباشر من الدولة .
ومع ذلك من المهم القول بأن هذه الظواهر لا تلغي الطابع الديمقراطي لتلك الأنظمة بل تشير إلى توترات داخلها أي بين الحرية والضبط.
 والنقد هنا لا يعني مساواة هذه النماذج بالاستبداد الصلب وإنما بهدف فهم كيف يمكن للسلطة أن تتسلل بطرق غير مباشرة داخل أنظمة ديمقراطية تقوم على الحرية.
 إن الاستبداد في العالم الغربي إن وجد فهو لا يظهر كقوة تقمع المجتمع وإنما كشبكة تؤثر فيه وتعيد تشكيله بهدوء وهذا ما يجعله أقل وضوحا وأكثر قابلية للاستمرار دون مقاومة مباشرة كما أن حماية الأمن لا يلغي العدالة وحفظ هوية المجتمعات وثقافتها ليس رفضا لثقافة الآخر إلا أن تثير ثقافته الرأي العام مما قد يهدد الدولة وإداراتها .
كما أن هذا الاستبداد المستنير لا يلغي الحريات الشخصية ما دامت بعيدا عن المجال العام ولا يهدر الحقوق المكفولة بالقانون ولا يسمح للمجتمعات بأن تتخذ من الثورة والعنف أداة لتحقيق مطالبها.

أما في سياق الشرق الأوسط فتتجلى الفوارق بين الاستبداد الصلب والناعم بشكل واضح لكن مع تداخل كبير بين النمطين داخل الدولة الواحدة.
وفي نمط الاستبداد الصلب يمكن الإشارة إلى حالات مثل سوريا خاصة خلال سنوات الحرب حيث برز الاعتماد المكثف على الأجهزة الأمنية والعسكرية لضبط المجال العام مع تراجع شبه كامل لأي مساحة معارضة وكذلك إيران في لحظات الأزمات الداخلية حيث يظهر القمع المباشر كأداة سريعة لإعادة فرض السيطرة.
أما الاستبداد الناعم فيظهر بشكل أوضح في دول مثل مصر حيث توجد مؤسسات وانتخابات وإعلام متنوع نسبيا لكن المجال العام يخضع لإدارة دقيقة عبر القوانين والتنظيمات وكذلك الإمارات العربية المتحدة التي تقدم نموذجا قائما على الاستقرار الاقتصادي والرفاه مقابل ضبط سياسي هادئ يعتمد على تقليل الاحتكاك المباشر مع المجتمع.
وفي حالات أخرى مثل الأردن والمغرب نجد صيغة وسطية تسمح بهوامش سياسية وإعلامية محدودة مع الحفاظ على مركزية القرار داخل بنية الحكم بحيث يتم امتصاص التوتر عبر الإصلاح الجزئي دون فتح المجال لتغيير جذري.
وما يميز المنطقة أن الأنظمة لا تبقى ثابتة ضمن نمط واحد فهي قد تتحول من الناعم إلى الصلب عند الأزمات أو العكس عند الحاجة إلى تحسين صورتها أو تخفيف الضغوط لذلك فإن الاستبداد هنا ليس قالبا جامدا بل آلية مرنة تتكيف مع السياق الداخلي والخارجي مع بقاء الهدف واحدا وهو الحفاظ على استمرارية السلطة بأقل كلفة ممكنة.ج