رغم فشل الدعم الحكومي والخاص.. أحلام كرة القدم الصينية تعود من باب الهواة

الكاتبabdulrahmanتاريخ النشر
رغم فشل الدعم الحكومي والخاص.. أحلام كرة القدم الصينية تعود من باب الهواة

بينما تستحوذ بطولة كأس العالم على اهتمام الجماهير هذا الصيف، لن تشهد الملاعب وجوداً صينياً، بعد فشل ممثلي ثاني أكبر اقتصاد في العالم في حجز مقعد في البطولة الأهم عالمياً.لطالما كان التأهل لأهم بطولة في كرة القدم هدفاً وطنياً صينياً، وهو إحدى «الأمنيات الثلاث» التي وضعها الرئيس شي جين بينغ ذات مرة لهذه الرياضة، إلى جانب استضافة البطولة، والفوز بها في نهاية المطاف.

على العكس من الخطة، تراجع المنتخب الصيني للرجال من المركز الـ82 عالمياً عام 2016 إلى المركز الـ94 من بين 211 منتخباً وطنياً، ورغم زيادة عدد المشاركين في بطولة كأس العالم من 32 إلى 48 فريقاً، فشلت الصين في الصعود، ولا تزال مشاركتها الأولى في عام 2002، والتي انتهت بخروجها من دور المجموعات دون تسجيل أي هدف، هي المشاركة الوحيدة للبلاد.

انهيار الحلم

بين عامي 2015 و2017، أنفقت أندية الدوري الصيني الممتاز 1.12 مليار دولار في سوق الانتقالات، مسجلةً عجزاً صافياً يزيد على 818 مليون دولار، وفقاً لأرقام موقع ترانسفير ماركت.وفي بداية عام 2016، حُطِم الرقم القياسي المحلي لقيمة انتقالات اللاعبين أربع مرات في شهر واحد، نتيجة انتقال لاعبين مشهورين، من بينهم أوسكار، وباولينيو، وكارلوس تيفيز، وهالك، من أوروبا إلى الصين.وكان مطورو العقارات هم الممول الرئيسي لهذه الطفرة؛ وبحلول عام 2018، امتلك مالكو جميع أندية الدرجة الأولى الستة عشر حصصاً في سوق العقارات.

وقد غذت هذه الديناميكية الإنفاق على التعاقدات مع لاعبين بارزين ومشاريع الملاعب الفخمة، إلا أن جدواها الاقتصادية نادراً ما كانت منطقية.على سبيل المثال، كان نادي غوانغتشو إيفرغراند، بطل آسيا مرتين والفائز بلقب الدوري الصيني الممتاز ثماني مرات، يتكبد خسائر تتراوح بين 155 و310 ملايين دولار أميركي سنوياً، وفقاً لتقرير بلومبيرغ عام 2021.لكن هذا النموذج لم يُصمم للاستمرار، كما أن أندية الدوري الصيني الممتاز لم تبذل جهداً يُذكر لتنمية مبيعاتها للمشجعين أو حقوق البث أو أي مصادر أخرى للدخل، على عكس نظيراتها الأوروبية.ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتُشكل الضربة القاضية، وألحقت حملة بكين لضبط مستويات الديون في قطاع العقارات أضراراً بالغة بالملاك، والممولين الرئيسيين لفرق كرة القدم، والنتيجة إغلاق أبواب أكثر من 40 فريقاً منذ عام 2021.وأسهم ركود الاقتصاد، والتراجع الديموغرافي، واشتداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال التكنولوجيا، من بين عوامل أخرى، في تراجع الاهتمام بالرياضة في الأجندة الحكومية.يقول الدكتور توبياس روس، مؤلف كتاب «كرة القدم، والأعمال، وسلطة الدولة في الصين المعاصرة»، لشبكة CNN الرياضية: «لم تعد كرة القدم جزءاً من الخطة الخمسية، والرئيس شي جين بينغ لا يتحدث عنها علناً، والآن بعد جائحة كوفيد-19، أصبحت الحكومات المحلية بحاجة إلى الأموال لمعالجة قضايا أكثر إلحاحاً من كرة القدم».

بناء ثقافة

يرى روان سيمونز، المعلق الرياضي البارز، أنه على الرغم من كل الملاعب التي أنشأتها الصين، فلا يوجد إرث كروي يملؤها.يوجد في الصين نحو 980 ألف لاعب مسجل و40 ألف فريق على مستوى القاعدة الشعبية، أما إنجلترا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 4.2% من عدد سكان الصين، فلديها عدد أكبر من اللاعبين المسجلين وثلاثة أضعاف عدد الفرق.وأظهر تقرير رسمي صدر في ديسمبر الماضي أن كرة القدم ليست من بين الرياضات الست الأكثر شعبية في الصين، إذ تأتي في مرتبة متأخرة عن رياضات أخرى مثل كرة الريشة وركوب الدراجات.وهناك عوامل أخرى تعوق انتشار كرة القدم، وأبرز هذه العوامل تخلي الطلاب عن الرياضة تماماً استعداداً لامتحان القبول الجامعي الصيني الشاق، الذي وصفته وسائل الإعلام الرسمية بأنه «الأصعب في العالم»، وتفضيل الثقافة الصينية للتنظيم الجماعي بدلاً من العفوية والفردية التي تسهم في ظهور المواهب وازدهار كرة القدم في الملاعب.

استعادة الحلم

ملعب مكتظ بأكثر من 62 ألف متفرج يشاهدون المباراة النهائية، في موسم حصد 2.2 مليار مشاهدة عبر البث المباشر، لكن المفاجأة أن هذه ليست بطولة الدوري الصيني الممتاز، وهؤلاء ليسوا لاعبين محترفين، إنه دوري هواة انتشر بسرعة في مقاطعة جيانغسو، يُعرف محلياً باسم «سوتشاو»، ويضم معلمين ومبرمجين وسائقي توصيل وطلاباً.ورغم أن سعر التذكرة لا يتجاوز 3 دولارات، فإن البطولة أسهمت في توليد إنفاق استهلاكي بقيمة 2.2 مليار دولار في قطاعات السفر والضيافة والشركات المحلية.في موقع آخر يقود سون جيه هاي، لاعب منتخب الصين ومانشستر سيتي السابق، مبادرة تهدف إلى اكتشاف اللاعبين الشباب المتميزين في جميع أنحاء البلاد وتوفير أماكن ممولة بالكامل لهم في معسكره التدريبي.ومن بين أكثر من 10 آلاف مشارك تم اختيار نحو 90 لاعباً نتيجة اختبارات في المناطق الأقل نمواً بالصين.وتُولي مبادرة سون جيه هاي اهتماماً كبيراً بالتحصيل الدراسي إلى جانب كرة القدم، حيث يوظف معلمين لمساعدة الطلاب في واجباتهم المدرسية بعد الدوام، لأن سون يفهم أهمية إزالة الحواجز المالية والاجتماعية التي منعت الصين من النجاح في عالم كرة القدم.ويرى سيمونز أن المزيد من الآباء بدؤوا ينظرون إلى الرياضة لا على أنها تشتيت عن التعليم، بل كجزء منه، من خلال تعزيز اللياقة البدنية والصداقات والمهارات الاجتماعية.وقد بدأت هذه الجهود في تحقيق بعض النتائج، فقد تم استدعاء أربعة لاعبين من دوري الهواة «سوتشاو» إلى منتخب تحت 19 عاماً، هذا الشهر.وقد تأهل المنتخب الصيني إلى نهائي كأس آسيا تحت 23 عاماً للمرة الأولى في تاريخه، يناير الماضي، وخسر أمام اليابان، وتضاعف عدد اللاعبين المسجلين في القواعد الشعبية تقريباً خلال العام الماضي، كما أن ازدياد الملاعب في مختلف الأحياء يتيح لجيل جديد فرصة تذوق متعة كرة القدم، كممارسة لا مشاهدة، ما يرجح أن كرة القدم ستزدهر في الصين من القاعدة، لا من أعلى الهرم السياسي.(ريغان يب، CNN)