تبدو سوق الاكتتابات العامة الأولية الساخنة في الهند مغرية للغاية مع تصاعد طوابير الشركات الأجنبية الساعية للإدراج، غير أن هذا الزخم المتسارع لا يستهدف جمع الأموال للتوسع في هذه السوق سريعة النمو، بل يتعلق بتحويل مليارات الدولارات إلى المقار الرئيسية لتلك الشركات في الخارج.
وفي المقابل، جاءت بقية الاكتتابات الأخرى بالكامل على شكل طرح ثانٍ، أو ما يُعرف بـ«عرض للبيع» (OFS)، حيث يبيع المساهمون الحاليون حصصهم للجمهور دون ضخ أي رأس مال جديد في الشركة.
وبمعادلة بسيطة، فإنه مقابل كل دولار واحد تم جمعه في هذه الاكتتابات مجتمعة، خرج أكثر من 59 دولاراً إلى خارج البلاد.
ويبدو أن هذا الاتجاه آخذ في التوسع، إذ تعتزم منصة الدفع الهندية التابعة لشركة «وول مارت» تنفيذ اكتتاب عام بقيمة مليار دولار، كما تخطط مجموعة «مودرن تايمز» لطرح وحدة الألعاب المحلية التابعة لها بقيمة 335 مليون دولار، وكلاهما سيسلك مسار «عرض البيع» (OFS) دون زيادة رأس المال. وأعلنت شركة «كوكا كولا» هذا الأسبوع أن الطرح المخطط لوحدتها لتعبئة الزجاجات في الهند سيتضمن بيع جزء من حصة الشركة الأميركية، في حين كشفت مصادر مصرفية أن اكتتاب شركة «كارلسبيرغ» المرتقب لن يشهد جمع أي أموال جديدة وسيرتكز بالكامل على آلية «عرض البيع» (OFS).
تقييمات فلكية تغري الشركات بالخروج الجزئي
يعزو المصرفيون والاقتصاديون هذا التوجه المتنامي إلى التقييمات الفلكية المرتفعة للأسهم في الهند خلال السنوات الأخيرة، ما جعل آفاق الخروج الجزئي المربح من الاستثمارات الهندية أكثر جاذبية للعديد من الشركات الأجنبية من خيار جمع أموال جديدة للتوسع.وأوضح براشانت غوبتا، الشريك في مكتب المحاماة «شاردول أمارتشاند» -الذي قدم الاستشارات لكل من هيونداي وإل جي في اكتتاباتهما- أن الشركات العالمية تسعى للإدراج في الهند لأن هذا يمنحها سيولة مالية فورية، ويؤثّر بشكلٍ إيجابي ومباشر في القيمة السوقية لشركاتها الأم في الخارج.
ضغوط متزايدة على الروبية الهندية ونزيف التدفقات الخارجية
يتزامن هذا الاتجاه مع أوقات عصيبة تواجهها العملة المحلية؛ حيث انخفضت الروبية الهندية بنسبة 13% مقابل الدولار الأميركي منذ عام 2024، وتراجعت بنسبة 6% منذ مطلع العام الجاري. وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه التحويلات المرتبطة بالاكتتابات إلى تفاقم النزيف الحاد للتدفقات الرأسمالية الأجنبية الخارجة من البلاد. وكان بنك «إم يو إف جي» (MUFG) قد أشار في تحليل له في يناير الماضي إلى أن قوة سوق الاكتتابات العامة في الهند تعد أحد العوامل الرئيسية المساهمة في إضعاف الروبية.وبلغت مبيعات مستثمري المحافظ الأجنبية من حيازاتهم أكثر من 23 مليار دولار منذ مطلع العام، ليتجاوز هذا الرقم التدفقات الخارجة القياسية المسجلة عام 2025 والبالغة 18.9 مليار دولار. بدوره، أكد تاناي دلال، نائب الرئيس التنفيذي لأبحاث الأعمال والاقتصاد في بنك «أكسيس»، أن تدفقات رأس المال الخارجة المرتبطة بالاكتتابات تفرض ضغطاً مستمراً وإن لم يكن مفاجئاً نحو خفض قيمة الروبية.ورغم غياب أي مؤشرات من المسؤولين الحكوميين أو الجهات التنظيمية للحد من هذا التوجه، فإن المستشار الاقتصادي للحكومة الهندية، في أنانثا ناجيسواران، كان قد حذّر في نوفمبر الماضي من أن الاكتتابات العامة باتت تتحول بشكلٍ متزايد إلى أدوات خروج للمستثمرين الأوائل بدلاً من كونها آليات لرفع رأس المال طويل الأجل.(رويترز)